فريد الدين العطار النيسابوري ( تعريب جمعة )
68
منطق الطير
العشق . . . فرحلوا من محجة الاختبار ، فاستدرجتهم محن الاضطرار فهلك من كان من بلاد الحر في بلاد البرد ، ومات من كان من بلاد البرد في بلاد الحر وتصرفت فيهم الصواعق ، وتحكمت عليهم العواصف ، حتى خلصت منهم شرذمة قليلة إلى جزيرة الملك . ونزلوا بفنائه والتمسوا من يخبر عنهم الملك . . . فأخبر بهم فتقدم إلى بعض سكان الحضرة من يسألهم ما الذي حملهم على الحضور ، فقالوا حضرنا ليكون مليكنا ، فقيل لهم : أتعبتم أنفسكم فنحن الملك شئتم أو أبيتم ، جئتم أو ذهبتم ، لا حاجة بنا إليكم ، فلما أحسوا بالاستغناء والتعذر أيسوا . . . وشملتهم الحيرة وقالوا : لا سبيل إلى الرجوع فقد تخاذلت القوى وأضعفتنا الجوى فليتنا تركنا في هذه الجزيرة لنموت عن آخرنا . . . ! فلما عمهم اليأس وضاقت بهم الأنفاس تداركتهم أنفاس الإيناس وقيل لهم هيهات فلا سبيل إلى اليأس . . . فإن كان كمال الغنى يوجب التعذر والرد ، فجمال الكرم أوجب السماحة والقبول ، فبعد أن عرفتم مقداركم في العجز عن معرفة قدرنا فحقيق بنا إيواؤكم . . . فإنه يطلب المساكين الذين رحلوا من مساكنة الحسبان . . . ومن استشعر عدم استحقاقه فحقيق بالملك العنقاء أن يتخذه قرينا ، فلما استأنسوا بعد أن استيأسوا وانتعشوا بعد أن تعسوا ووثقوا بفيض الكرم . . . سألوا عن رفقائهم فقالوا : ما الخبر عن أقوام قطعت بهم المهامة والأودية . امطلول دماؤهم أم لهم دية ؟ فقيل هيهات . هيهات . ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) . . . والذين غرقوا في لجج البحار ولم يصلوا إلى الدار بل التقمتهم لهوات التيار . قيل هيهات « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ » . فالذي